الخطابة السياسية وفن التواصل مع الجماهير

بقلم – المستشار / احمد جاد بهوق

إذا كان للعمل السياسي من وظيفة فهو محاولة ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهذا الضبط يحتاج إلى سلوكيات متعددة منها ما هو سلوك غير لفظي مثل القرارات والقوانين والمواقف السياسية ومنها ما هو لفظي يعتمد على القول قبل الفعل للتأثير على سلوكيات الجماهير وتوجيهها الوجهة التي تناسب أو التي يفضلها السياسي.
وتعتبر الخطابة السياسية إحدى أهم هذه الوسائل اللفظية لضبط هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعكس، ورقي الخطاب السياسي هو مؤشر على مدى الرقي والتقدم الذي وصلته الشعوب المستهدفة بمثل هذا النوع من الخطابات فهي تعتبر أحد مظاهر التقدم والرقي الاجتماعي ووسيلة للتوجيه وإصلاح المجتمعات، كما إنها تعتبر الأكثر إقناعاً وتأثيراً وانتشاراً في المجتمعات إذ تم استخدامها كوسيلة للنصح والإرشاد في أمور الحياة والدين والقيم والمبادئ. ونحن عرفنا من قديم الزمان بقدرتنا على الإبداع في الخطابة وظهر لدينا الشعراء والوعاظ والحكماء الذين يستهدفون التأثير في مجتمعاتهم مرة بالشعر وأخرى بالنثر وثالثة بالكلمات والألفاظ المختصرة ذات الدلالة وهو ما يقترب أكثر من الخطابة الاجتماعية، وإن كان لها من أبعاد سياسية، لذا فإن الخطابة تتنوع بتنوع موضوعاتها والهدف منها، فهناك الخطابة الدينية والتي تعد من شعائر العبادات في صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء واستنهاض الناس واستنفارهم في الملمات عند المسلمين، وأيضا الخطابة الاحتفالية والتي غالباً ما يكون هدفها النصح والإرشاد، وأيضاً الخطابة القضائية الاستدلالية والتي من مهامها التبليغ وتفنيد حجج الخصوم. والخطب الحربية التي يتم إلقاؤها بين الجند لتحميسهم وحثهم على الجهاد، والدفاع عن الوطن. وأخيراً هناك الخطابة السياسية الاستشارية التي تهتم بالقضايا التي تسير حياة الناس والدول. وعرف المفكر اليوناني القديم أرسطو الخطابة السياسية بأنها الخطابة الاستشارية، وقد قسمها إلى تشاجرية تنظر في الوقائع والأحداث الماضية، وهي أقرب إلى المنطق والجدل. وخطابة سياسية تثبيتية وثائقية تلقى في المحافل العامة للتحسين والتقبيح والكيد، وهي أقرب إلى الأدب. وأخرى تشاورية تجري في الجمعيات والأحزاب السياسية ومؤسسات الحكم المختلفة حيث تنظر في القضايا الراهنة والمستقبلية المتصلة في أمور تنظيم شؤون الشعوب وعلاقتها بالنظام السياسي.
ويتكون الخطاب السياسي من عدة جمل موجهة عن قصد إلى المتلقي بقصد التأثير فيه وإقناعه بمضمون الخطاب عن طريق الشرح والتحليل والإثارة، وهو يتضمن أفكاراً سياسيةً، ويهدف إلى تغيير النفوس والعقول والأفكار والواقع. وتنبع قوة أي خطاب سياسي من ثقافة المتحدث ومدى القوة اللغوية وانسجامها مع الحديث ووعي المتحدث السياسي واحترامه لمن يسمعه ويوجه له الخطاب. وقوة الشخصية ومدى إقناعه للجماهير بالمسألة التي يتحدث فيها. وهناك عدة طرق للخطابة السياسية فهناك الطريقة الأخلاقية التي تعتمد على التأثير في شخصية المخاطب. وهناك الطريقة العاطفية التي تعتمد على تأثير استخدام الخطيب للمناشدة العاطفية. والطريقة المنطقية التي توظف لتأثير استخدام المبادئ الأصولية المتبعة بالبرهان. ويعتبر الخطيب هو الفاعل السياسي الذي يقوم بإلقاء خطبة سياسية أو إجراء حوار سياسي أو الإدلاء بالتصريحات السياسية، حيث يقوم بتوصيل رسالة واضحة لها هدف أو مجموعة أهداف محددة بعينها، وقد يكون الخطاب السياسي معداً له من قبل، أو يكون تعقيباً على حادث قد تم لتوه.
يتكون الخطاب من مقدمة ومتن وخاتمة. حيث يستهل الخطيب خطبته بمقدمة تتكون من مجموعة من الكلمات العذبة القوية والمنتقاة على أن يلي هذه المقدمة الموضوع الذي تتمحور حوله الخطبة، ويجب على الخطيب أن يراعي التسلسل المنطقي للأفكار والأحداث المتصلة بالواقع والظروف المحيطة، لذا فعلي الخطيب الناجح ألا يبالغ في الكلمات والعبارات المؤثرة الجذابة التي تدغدغ مشاعر المستمعين ثم يغادرها دون أن يدعمها بمراجع محسومة وأحداث ووثائق تاريخية. ويشترط في الخطيب أن تكون مخارج الحروف سالمة من العيوب وأن يكون صوته جاهراً وأن يكون على علم ودراية بنفسيات المستمعين وأن يكون حسن المظهر وأن يلون صوته بحسب الموضوع ونوع الخطبة وأن تتوافر فيه الجرأة واستخدام تعابير الوجه. كما يجب أن تكون لغة سهلة ومختصرة، وألا يتعالى بالمعرفة والمعلومات. ويتأكد من دقتها وصحتها حفاظاً على مصداقيته، وأن يحافظ على هدوء الأعصاب والتوازن الانفعالي، وأن يختم الحديث بالتركيز في أهم النقاط التي وردت فيه للتأكيد والتذكير.
إن الخطيب السياسي الناجح هو الذي يستطيع أن يجعل من خطابه وسيلة ناجحة للتأثير في الجماهير وإقناعهم بأهدافه وأفكاره، ورغم صعوبة هذه المهمة فإن استدامتها ووضوحها ومنطقيتها تكون من الوسائل الفعالة في تحقيق الهدف المرجو منها، وهو ما يعيدنا إلى النقطة المفصلية وهي أن استمرارية التواصل السياسي الفعال هو الذي يستطيع أن يحقق الهدف من أي خطاب ويستطيع أن يضبط السلوك السياسي لدى المواطن بما يحقق مصلحة الوطن

Related posts

Leave a Comment