متابعة.. عمرو فاروق
لم يهدأ أتباع التيارات السلفية منذ الخطبة التي القاها إمام الأوقاف في مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية في صلاة عيد الفطر المبارك، داعيا ومتوسلًا بآل البيت “اللهم إنّي أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسّرّ المستودع فيها “، زاعمين أنه دعاء مرتبط بالإرث والتبشير الشيعي.
القضية لا علاقة لها بالتشيع من عدمه، فمصر على مدار تاريخها لم تبدل أو تغيير مذهبها السني، حتى في ظل قوة الدولة الفاطمية ، فقد شُرفت باحتضان آل البيت وكانت الملاذ الآمن، إنما الاشكالية تتمثل في موقف الحركة الوهابية السلفية من آل البيت ذاتهم في إطار صراع سياسي وليس فكري.
التجاوزات التي تشهدها الساحة الدعوية الدينية من التطاول الدائم من قبل التيارات السلفية على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فضلًا عن الطعن في الأئمة والفقهاء، لا يمكن تفسيره إلا بحجم العداء والكره والحقد من قبل أتباع محمد بن عبد الوهاب على صاحب الرسالة النبوية وذريته.
الحقيقة التي يتهرب منها دائمًا أتباع التيارات السلفية الوهابية أنهم ليسوا امتدادًا للسلف الصالح ولا إلى جموع كبار الصحابة وفقهاء الأمة وما يمثله المنهج النبوي الشريف، وإنما هم نتاج البذرة السوداء التي ذرعها محمد بن عبد الوهاب في قلب الجزيرة العربية، متغلبًا للزعامة والعصبية القبلية التي سيطرت على سلوكه ومشروعه ومنهجه في التطاول على آل البيت والطعن في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لدرجة وصلت إلى سعيهم نبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم والنيل من رفاته، مثلما فعلوا في مقامات آل البيت، والتطاول على ذريتهم ونسلهم. فالتاريخ لا ولن يعفي هؤلاء المجرمين من أفعالهم، والتي ما زالوا يمارسونها ليل نهار.
فالحقد الدفين الذي يبطنه دعاة السلفية على النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته لم يتأت من فراغ، لكنه منهج ورثوه عن مشايخهم وأبيهم الأكبر محمد بن عبد الوهاب، الذي يمثل فكره بلا شك ترجمة عملية وحقيقية لمنهج الخوارج، وامتدادًا لسلوك بني أمية الجدد، بعدما جاء رافعًا سيفه في وجه كل من يعادي مشروعه السلطوي، ملتحفًا بآراء ابن تيمية التي استثمرها في التخفي وراء أهدافه الحقيقية، التي نالت من المسلمين. فلن ينسى التاريخ مذابحهم وقتلهم واستباحتهم لدماء حجج بيت الله من أهل اليمن بعدما غدروا بهم أثناء أداء شعائرهم.
هؤلاء الأنطاع لا يتورعون في الطعن في والدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلنون صراحةً وعلى الملأ أنهم من أهل النار، وأنهم يبغضونهم في الله، مثلما فعل الأعرج حسن عبد الغفار – وهو واحد من قلة – رغم أن والدي النبي من أهل الفترة (عاشوا في أزمنة انقطاع الرسل وكانوا على ملة إبراهيم عيه السلام)، فضلًا عن أن الإطار القرآني أكد أنهم من أهل السجود والصلاح وفق قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، أي تنقلك في أرحام الساجدين، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “خلق الله الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم”.
ما يفعله السلفيون وأتباعهم تجاه حقدهم وكراهيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ليس مصادفة، لكنه منهج تم تأويله وتفسيره تحت انحرافات محمد بن عبد الوهاب وخزعبلاته الفكرية، التي أحيت وأصلت وشرعت للعنف، فكانت المدرسة الأولى في نشر التكفير والعمل المسلح في العصر الحديث، والتي تبلورت على يد حسن البنا، الذي تمرد وانقلب على القالب الصوفي وخرج عن ربقة الصوفية، وارتمى في أحضان رشيد رضا الممثل الرسمي للحركة الوهابية في مصر حينها. فأخرجوا لنا نظريات المودودي، ومنطلقات سيد قطب التي كرست لمفاهيم الحاكمية والجاهلية وديار الحرب والفئة المؤمنة، وتكفير الأنظمة والمؤسسات الوطنية، وغيرها، والتي تمددت وعملت على تبديل وتغيير الهوية الفكرية والثقافية في المجتمع المصري في مرحلة السبعينات وما تلاها وفق ما عرف بـ”تيار الصحوة”.
التطاول على الجانب المحمدي من التيارات السلفية وفق الجفاء والحقد الدفين، جعلهم يطعنون في مفاهيم السيادة والتوسل والتبرك بالرسول وآل بيته والصالحين والأولياء من أمته، بل وأخرجوا بعضهم من الملة وأعلنوا تكفيرهم، في الوقت الذي يمجدون فيه ويقدسون ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ويصفونهم صراحةً بـ”شيخ الإسلام”، بل ويحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في الوقت الذي يحتفلون فيه بمولد الشيخ المعظم والمبجل ياسر برهامي.
يرفضون السيادة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويقدسون ويتفاءلون بمشايخهم، ويتعللون بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، رغم أن الله عز وجل جعل النبي في هذه الآية تحديدًا وسطة بينه وبين عباده، فلم يقل سبحانه وتعالى عن عباده “سألوا عني” أو “بحثوا عني”، وإنما قال “سألك”، فرد الأمر إليه صلى الله عليه وسلم، فجعله الوسيلة، مثلما رده إلى الأمر كذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾. فلم يقل جاءوني، وإنما جعل الأمر “جاءوك” أولاً، فجعله صلى الله عليه وسلم بابه المفتوح أمام عباده.
من واقع تناقض التيارات السلفية، ووفق نظريتهم وهوسهم بفكرة الاصطفاء والاختيار، تجدهم يحتكرون في أيديهم أبواب الجنة والنار، يدخلون فيها ما يشاءون ويخرجون منها ما يشاءون، رغم أنهم ينكرون ذلك على النبي وآل بيته في فكرة الاصطفاء والاختيار، بل والعصمة التي أقرها القرآن والحفظ لآل بيته والصالحين من أمته صلى الله عليه وسلم (وفق السنة النبوية). فتجد أحدهم متطاولاً يقول إن الرسول يرد كلامه (حسن عبد الغفار ولقاءه مسجل على اليوتيوب)، بل لم يكتف بذلك الأعرج، فتجد تطاولاً على الإمام الشافعي وسبه بأمه وأبيه، فضلاً عن الطعن في كبار أئمة أهل السنة والجماعة.
السلفية في ذاتها ليست منهجًا فكريًا دعويًا، بل مسار سياسي طاعن في الأمة وعقيدتها على مدار التاريخ المعاصر، وسبب رئيسي في تعيب الدين وتغيير هوية الأمة وثقافتها وتفريق وحدتها، ومن ثم نحن في حاجة عاجلة إلى اقتلاع جذورها وخبثها وسمومها التي نشرها وبثها محمد بن عبد الوهاب، ومن قبله ابن تيمية، من العمق المجتمعي، وإحلالها بمنهجية وسطية معتدلة فكرًا وعملًا.
