بِقَلَم / نـُـور عَـلم الــدّين
نَجْتمع حَول مائدةٍ واحدة ، لكنَّ لكلٍّ منّا جوعًا لا يُرى ، يُقسَّم الخبزُ بالتساوي .. وتعلو الضحكاتُ كأنها الحقيقة ..
بينما تحت كلِّ ضحكةٍ وجهٌ آخر لا يعلمه إلا الله ..
نبتسم إحترامًا للوقت الذي نحن فيه .. وللمظهر الذي اعتدنا أن نحتمي به، ونصمت احتراماً لألمٍ لا يجد مكانًا بين الكلمات ..
فكلُّ قلبٍ في وادٍ ، والمائدةُ شاهدة ..
أجسادٌ متجاورة ، وأرواحٌ بعيدة لا تعرف الطريق إلى بعضها ..
نمدُّ الأيادي لنأخذ الخبز ، لكنّ القلوب تبقى مترددة في أن تمنح الودَّ والطمأنينة ..
نجلس متقاربين ، لكن المسافات بين القلوب أَبعد من الطرق ..
تدور الكلمات حولنا ، غير أن الحقيقة تبقى حبيسة الصدور ، وكأنَّ لكلِّ قلبٍ حكايةً آثرت الصمت لأن لا أحد مستعدٌّ لسماعها ..
ثم نقوم عن المائدة ، وقد شبع الجسد ، وبقيت الأرواح جائعة ..
جائعة إلى فهمٍ صادق ، وإلى دفءٍ إنساني ، وإلى قلبٍ يلتفت لا إلى المائدة ، بَل إلى من يجلس حولها ..
وهنا ندرك أن القُرب لا يعني اللِّقاء ، ولا يعني التلاقي ..
فالمائدة قد تجمع الأجساد ، لكن القلوب لا يجمعها إلا الصدق ..
فليس الإنسان جائعاً إلى الخبز بقدر ما هو جائعٌ إلى قلبٍ رحيمٍ به مودة ..
وكم من موائد إمتلأت بالطعام ، وبقيت الأرواح حولها فارغة ..
تحمل حكاياتٍ لم تُروَ بعد ، وجوعًا أكبر من أن يُشبعه الخبز ، جوعًا إلى الفهم ، وإلى الصلة الرحيمة التي خُلِق الإنسان ليجد فيها سكينته ..
لكنَّ الحقيقة التي تتسلّل إلينا دائمًا في هدوءٍ بعد كلِّ تلك الموائد ، أنَّها في بعض الأحيان تجمع الأجساد فقط ..
فالإنسان لا يشعر بالجوع إلى الخبز بقدر ما شعور الجوع إلىٰ صدقٍ في المعاملة ، وإلى الرحمة والمودّة التي تسكن بين القلوب ..
وليست الكراسي المتجاورة دليل القرب ، بل الصدق الذي يطرق القلوب هو ما يجعلها تتلاقى دون تكلّف ..
فكم من إنسانٍ جَلس وحده وكان قلبه ممتلئًا بالسكينة ، وكم من مجلسٍ ضَجَّ بالوجوه لكنه خلا من الدفء ..
فمائدةٌ صغيرة من الصدق قد تُغني عن ألف مائدةٍ عامرة بالمجاملات الكاذبة ..
ثم نمضي …
وتبقى المائدة خلفنا شاهدةً على صمتٍ لم يكن نقصًا في الكلمات ، بل عجزًا في القلوب ..
وندرك متأخرين أن الإنسان لا يموت من قلّة الخبز ، بل من فقر القول إلى الحب والرحمة ..
وما أثقل أن تجلس بين الناس وقلبك يبحث عن إنسانٍ بمعنى الكلمة ، عن روحٍ لا تتصنّع القرب ولا تجامل في الوّد ..
وحين تنطفئ ضوضاء المجالس ، ويذهب كل إنسانٍ إلى حال سبيله ، نكتشف أن أكثر ما كان ينقصنا لم يكن طعامًا على المائدة ، بل قلوبًا حيّة تعيد للإنسانية معناها ..
وأخيراً ……
الموائد قد تجمعنا ساعة ..
لكنَّ الحب والرحمة والصدق ، وحدهما يُبقيانا معًا عمراً ..

