في دروب المثابرة والثبات

 

دكتورة/ سعاد دنكلاي

كان يوما عاديا ككل الأيام لكن تعاملي مع أحداثه هو مااختلف وجعله يوما مميزا منذ أن تم تشخيص ابني أحمد بالتوحد ، حيث تناول زوجي فطوره وغادر الى العمل فيما بقينا أنا وأحمد على المائدة في محاولات التدريب على استعمال الملعقة بطريقة أفضل فقد كان أحمد يبلي بلاء حسنا في الرعاية الذاتية وبعد أن كنا نخسر نصف الوجبة على ملابسه وفي الأرض أصبح الأن يتناولها بشكل أفضل لم يكن وقت الوجبات بالنسبة لي كأم لطفل يعاني م٠ن التوحد لم يكن وقتا لتناول الطعام فقط بل كانت حصص تدريب وتأهيل تستغرق وقتا وجهدا مضاعفين ، الحمدلله انتهينا أخيرا حاولت أن أجبر أحمد على حمل الأطباق الى المطبخ كما أوصتني الأخصائية التي نتابع معها لكن أحمد بالكاد غسل يديه وانطلق يركض هنا وهناك متخلصا من حشرة الكرسي والطاولة التي أجبر عليها ليبي حاجته للطعام ويسد جوعه فكان كالسجين الذي أطلق سراحه حاولت مجاراته والركض خلفه حتى القبض عليه مرة أخرى وماان قبضت عليه وامسكت بكلتا يدي على يديه اطرق رأسه بحزن وبدأ ببكاء خاافت بدون صوت وانسابت الدموع من عينيه أحمد يبلغ الأن خمس سنوات من العمر ولكنه لايتكلم ولا يعرف التعبير عما بداخله ومشاعره وهذه أعراض التوحد ، صرخ فيٌ قلبي ألا تشفقين عليه يا أمه ؟!! وهممت أن أتركه وشأنه ولكن سرعان مااستجبت لنداء داخلي يجيب لأني أحبه وأريد أن أخرجه من عالم التوحد اللعين هذا واعيده الى عالمنا ليرى الأمور كما نراها نحن ليأكل بالطريقة التي نأكل بها ويتصرف بالطريقة التي نتصرف بها فلا يمكن تركه هكذا وحيدا بيننا يلعب وحده يحرك جسمه ويديه بطريقة غريبة في عرفنا

ويتصرف تصرفات اتفق الناس أنهاغير لائقة لا بأس بقليل من الحزم استمر نحيب أحمد كأنه يتوسلني اسمحي لي بوقت حر قليل اعتبريه مثل وقت الفسحة في المدرسية ! ، آه يا أحمد تمنيت لو اعطيتك عمري كله وليس وقتا مستقطعا أخذته في حضني وقبلته ومسحت دمعه الذي اختلط بدمعي على خديه وهو يحاول الفكاك مني حتى الحضن يضايقه !! في حين من في سنه يبرع في اختلاق الحجج ليبقى في حضن أمه ! تركته وشأنه وأنا أواسي نفسي لا بأس لتكن فسحته وأستغل الوقت في طبخ وجبة الغذاء فالتوحد علمني استثمار الوقت .
بدأت في الطبخ وعين على أحمد وعين أخرى على طبخي وفجأة أراه قد تناول قلم سقط من والده ولم ألاحظه وإذا به يشخبط به على الجدار بالحبر الأزرق
صرخت أحمممد ماذا تفعل استمر أحمد في جداريته كأنه لا يسمعني حتى وصولي إليه من المطبخ ونزع القلم من يديه حاولت استبداله بقلم بدون حبر وسبورة خاصة به نستخدمها في تدريب أحمد على مسكة القلم ومحاولة الكتابة لاحقا وتناولت الأسفنجة وبدأت أفرك في الجدار لتنظيفه وأتابع أحمد كيف أصبح منهمكا في الرسم على طريقته في سبورته الخاصة ! تخيلته وهو شاب ويقيم معرضه الخاص في الفنون التشكيلية فأحمد يرسم بشغف ويصبح منقطعا عمن حوله منسجما مع رسماته التي لا يفهمها إلا هو ألا يقولون ذلك عن كبار الرسامين والفنانيين التشكيليين ! استيقظت من حلمي الجميل على رائحة في البيت !! لكن ماهذه الرائحة ؟ أنها ليست رائحة المنظفات آه أنها رائحة القدر على النار لقد احترق ذهبت مسرعة وأطفئت النار وحاولت إزالة الرائحة ولحسن الحظ أني لم أضف اللحم على القدر بعد ، غسلته وأعدت من جديد تقطيع الخضار وأحمد مازال في رسمه رن الهاتف أنها أمي ، أمي الوحيدة

التي تشعر بي وأجد الأنس بحديثها أمي التي تقدر تماما ماذا تعني الأمومة ،كثيرا ماأجبرت أخوتي وأخواتي وأزواجهم على تقبل ابني أحمد وتوحده وتحاول جاهدة أن أكون حاضرة في الزيارات الأسبوعية عندها اغلقت الهاتف بعد أن اطمئنت عليٌ وتلفت يمينا ويسارا لانظر الى أحمد فإذا به غادر موقعه في الرسم ، قمت مسرعة أنادي أحمد أحمد !! لا يجيب كالعادة وأعلم مسبقا أنه لن يجيب فمازلنا ندربه على مهارة الاستجابة عند النداء ولكنه لم يتقنها بعد ، بالنسبة لطفل التوحد كل شيء يحتاج الى تدريب واكسابه المهارة التي يمتلكها أقرانهم هكذا بالسجية . اتجهت مسرعة الى المطبخ و أطفئت النار على القدر فورا حتى لا أكرر الخطأ الأول رغم عدم استواءه وأنا أنادي أحمد أحمد تجولت في الغرف مرة ومرتين لا أثر كادت نبضات قلبي أن تقف ويتجمد الدم في عروقي تأكدت من أن باب الشقة مغلق والمفتاح والترباس في مكانه فحدث قبل ذلك أن خرج أحمد من المنزل وبقينا نبحث عنه قرابة الساعة حتى وجدناه ، عدت للغرف مرة أخرى حتى وجدته في ركن قصي بين دولاب غرفة النوم والجدار فهو يعلم بأن مايفعله غير مقبول في عالمنا يبقى في عالمه يجلس بهدوووووء وقد دهن معجون الأسنان على كااامل جسده وملابسه آآه يا أحمد كان لايبدو منه الا عينيه ، في السابق كنت قد تخلصت من كل كريمات الليل والنهار التي تمتلكها السيدات الأخريات تجنبا لموقف كهذا وجعلت منزلنا خاليا من أي مزهريات أو صور وزينة حتى لا تعرض حياة أحمد لخطر وكنت أظن أنني أمنت المنزل لكنه التوحد يظهر ذكاء أحمد في بحثه عما يريد واشباع حاجاته وأمور كثيرة لا تزال خافية عنا ولطالما بقي العلم والطب عاجزا عن مساعدة هؤلاء الأطفال فهم قادرون على اشباع حاجياتهم ومايعانون بطريقتهم الخاصة رضينا بها أو لم نرضى قبلنا بها أو لم نقبل كنت في

حالة ذهول فكيف خطر له استخدام معحون الأسنان !! وكيف علم أن مادته كريمية !! والحقيقة أن منظر أحمد هذا _ مكسوا تماما بالكريم الأبيض _ أعاد الى ذاكرتي حفل عيد ميلاد سوسو ابنة أخي ابراهيم وهي في سن أحمد تماما و كان ابراهيم أخي أقام لهما حفل عيد ميلاد مشترك في سنتهم الأولى وبعد تشخيص أحمد بالتوحد في سنته الثانية توقفت عن الاحتفال بيوم الميلاد فالتوحد لم يترك لنا وقتا للفرح فيما استمرت سوسو باحتفالها السنوي ، حتى كان العام الماضي حيث يوافق بلغوهما الرابعة من العمر أصرت أمي على أخي وزوجته على ضرورة الاحتفال بأحمد معهما محاولة منها لأسعادي وتغيير الأجواء وعلمت لاحقا كيف أنها حذرتهم من إبداء أي تضايق من تصرفات أحمد وكيف عليهما وعلى جميع أفراد الأسرة تحمل يوم واحد فقط ليس من أجلي أو أجل أحمد بل طلبا لارضاها هي وافق الجميع على تلك الرغبة الملحة لأمي ، في بداية الحفل كان يوما جميلا وكان أول يوم التقي بالعائلة مجتمعة في يوم واحد فعلى مدار الثلاث سنوات الماضية تجنبت الزيارات والتجمعات العائلية وإن لزم الأمر أحضر لربع ساعة وأغادر . حان وقت اطفاء الشنوع فحضٌرت فتيات العائلة التورتة واَخفِتت الاضاءة لتضاء الشموع وانهمك الجميع استعدادا للحظات الأخيرة والتقاط صور السلفي فيما توليت أنا اعداد باقي الأطباق فليس لي في المكياج ولا في صور السلفي واصطحبت زوجة أخي ابنتها سوسو للغرفة لاسترداد هيئتها واصلاح تسريحة شعرها التي تطايرت مع اللعب والقفز ، عادت
الأميرة سوسو بكامل هيئتها البهية لتفاجئنا بصرخة مدوية وبكاء ركض الجميع اليها فإذا بأحمد استغل انشغال الجميع وجلس الى الطاولة بجانب التورتة وقد دهن بها نفسه وجسده كله !! ساد الصراخ والعويل بين الحضور في من يلقي عليا اللوم لأني لم

أنتبه لأحمد وكيف أني أم مهملة وبين من يقول سوء تربية ومنهم من لام أمي لأنها أصرت على اشراكنا في مناسبة لا نستحقها ! … وفي وسط كل هذا وجدت نفسي أفرغ كل ماسمعته منهم على أحمد بالضرب والشد حملته وأخذت تاكسي أجرة ولم أنتظر حتى مجيء زوجي وعدت به الى البيت قضيت يومها أبكي الليل كله لا أدري هل أبكي على نفسي والوضع الذي كنت فيه أم على أمي التي احرجت بسببي أم على ابني أحمد ومعاناته ، ذهبنا بعدها الى طبيبه أشكوه مافعل ولماذا فعل ذلك حتى شرح لي الطبيب أن طفل التوحد يعاني من مشاكل حسية مختلفة ومنها احساسه بجسمه ومن مظاهر فرط الحسية رفضه للحضن مثلا وأحيانا أخرى بضعف الحسية لذلك يلجأ بدهن جسده بزيت أو كريم استجابة لذلك الاختلال ، كل تلك الأحداث استدعاها منظر أحمد الغارق بالمعجون لكن هذه المره لم أغضب أو أبكي بل العكس تماما أنا اليوم أكثر فهما لابني وأكثر تفهما لتوحده ارتسمت ابتسامة الرضى على وجهي أخذت أحمد في حضني بمعجونه وتمنيت لو انتزعته من عالم التوحد وأعدته الى عالمي لأخفف عنه معاناته وضعت الملابس المتسخة في الغسالة وحضرت له حماما دافئا لاستحمامه فالاستحمام كسائر نشاطنا اليومي هو حصة درس وتعلم مهارات والاستحمام بالذات حصة كاملة الدسم نتدرب فيها على الرعاية الذاتية والتآزر الحركي البصري وتمارين النفخ وتمارين العلاج الحسي ويكن تفاعل أحمد فيها عاليا فهو يستجيب للتدريبات باستمتاع ولعب ونحن كذلك سمعت صوت مفتاح الباب عاد زوجي من العمل ووجدني وأحمد في الحمام والغداء لم يجهز بعد بدأ في العتاب واتهامي بالتقصير في حقه وعدم تقدير تعبه وووو وقال فيما قال : ألم تجدي وقتا مناسبا تحممي فيه أحمد الا الأن مع وقت قدومي ؟! إنك تحاولين دائما تبرير تقصيرك بأحمد ؟!

سمعته دون أن أنطق أو أحاول التعبير لففت أحمد بالمنشفة وحملته وهمست في أذنه ( أحمد حبيبي ليتك تأخذني أنت الى عالمك ) .

Related posts

Leave a Comment