الجوسقي.. شيخ المكفوفين صفع نابليون على وجهه فأمر بإعدامه

كتب: محمود مسلم

الشيخ سليمان الجوسقي مناضل وقائد مقاومة وعالم أزهري مصري لقب بسلطان العميان، سمي بالجوسقي نسبه إلى قريته “الجوسق ببلبيس شرقية”، يعد أبرز رموز المقاومة ضد الحملة الفرنسية على مصر عم 1798 وكان له دور كبير في ثورة القاهرة الأولى ووصف بأنه كان القائد الفعلي لها.

ولد كفيفاً وتعلم بالأزهر وأصبح شيخاً لطائفة المكفوفين واستطاع ببراعة إدارة أوقاف المكفوفين وأموالهم وصنعت لهم فائض من الأموال مكنته من الحصول على الكثير من النفوذ، وعقب قدوم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت قرر البدأ في مقاومتهم وقام بتجنيد المكفوفين للقيام بعمليات جاسوسية ونقل المعلومات إلى الوجهاء والمشايخ والأعيان، كذلك كانوا يقومون بالحيل لإغتيال الجنود الفرنسيين، كما عمل كخطيب وحث المقاومة على الصمود أثناء قيام القوات الفرنسية بضرب القاهرة بالمدافع.

الدور الكبير الذي قام به الجوسقي أصاب نابليون بونابرت بالإزعاج واستطاع من خلال الوشايا معرفة المتسبب وأمر بالقبض على الشيخ الجوسقي، وعندما حاول استمالته بكل الطرق قام الشيخ الجوسقي بصفع نابليون على وجهه فأمر بإعدامه، أشتهرت هذه الحادثة في الثقافة الشعبية وسميت بـ”كف الجوسقي”.

كانت قصة نضال ومقاومة الجوسقي وحادثة الصفع ملهمة للعديد من المؤلفين ونشر عنها الجبرتي في كتابه عجائب الآثار بالإضافة إلى العديد من المسرحيات والأفلام والمسلسلات التي تناولت فترة الحملة الفرنسية.

ولد في قرية الجوسق التابعة لمدينة بلبيس بمصر والتي تقع حالياً ضمن محافظة الشرقية، كان قد حُرم من نعمة البصر ولذلك تم إلحاقه بالأزهر الشريف تنفيذا لرغبة عائلته، وتفوق في دراسته على الرغم من كونه كفيفاً.

حياته
كان سليمان الجوسقي في أثناء دراسته بالأزهر شيخًا لطائفة العميان ومشرفًا عامًا على أوقافهم وكان محبوبًا من العامة والعميان وموضع تبركهم وقد نجح الرجل بمحبة العميان في أن يجمع ثروة كبيرة عن طريق إدارة أوقاف العميان والتجارة.

تولى الشيخ الجوسقي مسؤولية طائفة المكفوفين الأزهريين عقب وفاة سلفه الشيخ الشبراوي، تمكن من تنظيم أمور المكفوفين في جميع البلدان المصرية، جمع منهم ما فاض من الأموال، أنشأ لهم مشروعات تكفل لهم المعيشة الكريمة، أدار دولة العميان بحكمة وبراعة، أقام لهم تجارة عظيمة وأنشأ لهم المطاحن والمخابز .

يقول الجبرتي عن تعامل الجوسقي مع طائفته: «وسار فيهم بشهامة وصرامة وجبروت وجمع بجاههم أموالًا عظيمة وعقارات.»

دوره النضالي عدل
كان الجوسقي على موعد مع القدر وقت اندلاع ثورة القاهرة الأولى ضد العسكر الفرنسيين في أكتوبر عام 1798، وعندما اشتد وطيس ضرب المدافع لجأ له العامة فحفزهم على الثبات والصمود وخطب فيهم وقال جملته الشهيرة:

سليمان الجوسقي إنكم بشر مثلكم مثلهم، فاخرجوا إليهم فإما أن تبيدوهم أو يبيدوكم. سليمان الجوسقي

رسمة لأحداث ثورة لقاهرة الأولى وتصف نابليون وهو يتحدث للأهالي لإخماد القتال
لم يقف دور الجوسقي إلى حد الخطابة بل قرر أن يُطوّع العميان وطائفتهم التي يترأسها وجَيّشهم في جيش لمواجهة الغزو الفرنسي، فكان العميان هم حلقة الوصل والجاسوسية لصالح مصر، فكانوا ينقلون أخبار المعسكر الفرنسي لرموز المقاومة الشعبية في مصر حينها وكان يرسل أتباعه من جيش العميان إلى الوجهاء والمشايخ وزعماء المدن والقرى، كما ساهم الجوسقي في إجراء كتيبة من العميان لإجراء عمليات اغتيال للجنود الفرنسيين رغم فقدانهم للبصر، حيث جعل العميان يتسولون امام حانات الخمور التي كانت للفرنسيين وبحجة التسول فياتي الجندي الفرنسي سكران ويعطيه المال فعندما يمسك بيد الفرنسي يشدها اليه ويعطيه طعنة ويلوذ بالفرار.

اخرج الجوسقي ما لديه من مال وكان ثريا واشترى السلاح ووزعه على الناس ويذكر المؤرخون: “ان الجوسقي كان يشق القاهرة بحماره ليتفقد المتاريس والحصون ويتفقد احتياج المجاهدين للسلاح ويأمر بارسال السلاح والمؤن إلى الاماكن التي تحتاج اليها وينفق في ذلك عن سعة” ؛ وكان الجوسقي هو كلمة السر وراء الكثير من عمليات اغتيال العسكر الفرنساوية.

لقاءه مع بونابرت
علم نابليون أن الجوسقي هو العقل المدبر لعمليات الاغتيال فقرر إلقاء القبض عليه، أعجب نابليون بقدرة شيخ كفيف على القيام بذلك بمفردة وحاول نابليون استمالة الشيخ، فقدم له العديد من العروض وكان الشيخ يسمع تلك العروض في إباء وشموخ ويرفضها بسخرية واستهزاء، إلى أن قدم له العرض الأكبر وهو أن يجعله سلطانً على مصر زاعماً انه لم يجد في البلاد من هو في قوته وكفائته.

وقتها أظهر الشيخ قبولاً للعرض ومد نابليون يده إليه متنفسا الصعداء، وكذلك مد الشيخ يده اليمنى مصافحا إياه فكانت المفاجأة أن رفع يده اليسري، ليصفع نابليون بونابرت صفعة قوية على وجهه لا ينساها، فاستشاط نابليون غضبا وأمر بقتل الرجل وإلقاء جثته في النيل.

وسجل الأديب الكبير علي أحمد باكثير هذا الموقف في مسرحيته “الدودة والثعبان” وقال على لسان الجوسقي:

سليمان الجوسقي معذرة يا بونابرت هذه ليست يدي، هذه يد الشعب. سليمان الجوسقي
وفاته
تم إعدام الشيخ الجوسقي عام 1798 عقب إخماد ثورة القاهرة الأولى، اختلف المؤرخون حول وفاته، بعض المصادر قالت بأنه تم إعدامه بالشنق مع علماء الأزهر الستة الذي أمر نابليون بإعدامهم، ومصادر أخرى قالت بأنه تم إلقاءه من فوق القلعة. بينما في أقوال أخرى بانه بعد صدور حكم الإعدام لكن لم يتم تنفيذه لكونه كفيفاً وظل في السجن عدة شهور حتى توفي.

سيرته في المراجع
ذكرة سيرة الشيخ الجوسقي في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي، وذلك في الجزء الثانى، أيضاً ذكر أسمه عى يد الأديب الكبير علي أحمد باكثير والذي ذكر موقفه مع نابليون في مسرحيته “الدودة والثعبان”.

في الإعلام والفن
تحولت قصة “كف الجوسقي” إلى قصة شعبية ألهمت عشرات المبدعين الذي تناولوا شخصية وسيرة الجوسقي، ففي فيلمه (وداعاً بونابرت) قدم المخرج الراحل يوسف شاهين الجوسقي باعتباره قائد تنظيم سري يعد للثورة المسلحة ضد الفرنسيين.

وبرز أسمه أيضاً في مسلسل (نابليون والمحروسة) الذي انتج عام 2012 من إخراج شوقي الماجري، حيث برز أيضاً اسم الشيخ الجوسقي ضمن أحداث المسلسل كقائد للمكفوفين ولكل البسطاء من أبناء الأزهر بشكل عام، حيث يلتفون حوله وحول قيادته رافضين القيادات الأزهرية الأخرى التي هادنت الفرنسيين.[8]

المصادر
“ص693 – كتاب حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر – الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان بزاويتهم المعروفة بالشنواني – المكتبة الشاملة الحديثة”. al-maktaba.org. مؤرشف من الأصل في 1 نوفمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 01 نوفمبر 2020.
“‘الجوسقي’.. شيخ كفيف صفع نابليون وخلده التاريخ”. البوابة نيوز. مؤرشف من الأصل في 1 نوفمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 01 نوفمبر 2020.
“قصة شيخ أزهري مد يده وصفع «نابليون»: ألقوا جثته في نهر النيل”. المصري لايت. 2017-01-30. مؤرشف من الأصل في 1 نوفمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 01 نوفمبر 2020.
“الجوسقي ….أشهر صفعه في تاريخ

Related posts

Leave a Comment