الضياع

أمام المنحدر المطل على ساحة شاسعة مليئة بأطلال المنازل المتهدمة.. تحيطها أشجار كثيفة نزعت أغصانها فبدت عارية بلا أوراق.. خطت “سعاد” عدة خطوات مسرعة.. كفها تقبض بقوة على يد طفلها.. لم يتجاوز الرابعة من عمره.. فيتعثر تارة, وينهض أخرى.. دموعها تجرى.. وعيناها صوب السماء:
– أين أذهب؟.. أين أختبيء؟؟
اندست خلف جدار سبق وأن هدمته دانة.. تجمدت مكانها.. بدا الضجر يتسرب إلى قلبها, كل فينة وأخرى تنهض برأسها تمد البصر هنا وهناك, تجاه الطرقات تارة, وإلى الجدران الخاوية من المارة تارة آخرى.. ترى أن هناك اتساعاً دائماً في الفضاء، وأن المسافات تتباعد بين بعضها البعض.. ثم تزيد شيئاً فشيئاً.
صراخ الطفل يعلو.. ويعلو.. تجفف دموعها في صمت وتحاول تهدئته بكلمات تمتزج مع حشرجة صوتها المكتوم.
تترنح بخطى بطيئة بين جدران الصمت, تتكور في ارتعاشة الخوف, يسكب نبضها تحت زخات الرصاص المتساقط كالمطر, ولما أحست بالتعب أسندت ظهرها إلى الجدار, وتمددت للأمام, وظلت عيناها مفتوحتين, تحاول أن تفك وجع طفل يقبع بين قبضتها, يصرخ. يتلوى. يضيع.. بين عالم الجنون والرغبة. قرص الشمس يختبئ على استحياء خلف غيوم ممتدة من الأدخنة والغبار.. تبرق عيناها مع بريق الطلقات المتلاحقة, تعيد صفحات الماضى, تلعن التاريخ المزيف, واسماء منحوتة على جدارالزمن.
تتنقل.. تعبر المسافات بحذر وانتباه كبيرين….. وحيدة, مشلولة الإرادة والقلب. تنظر بعينين باهتتين نحو قرص الشمس, وهى تميل إلى الغروب والليل أشرف على الهبوط.
يتصارع نبضها ويزداد همها على طفلها المحموم بين يديها.. تلعن المسافات, كما تلعن شجرة بلا ظل, تمهل دهشتها التواقة للنجاة, وتمضغ صبر مرر حلقها:
– آآآآه .. من ضياع صرخة بين الضجيج, تخلع جذورى لعالم الاغتراب بين غربتي الأهل والوطن.
بكت.. كأنها لم تبك من قبل.. تناثرت دموعها على رايات السلام.. محت كلمات كانت تألفها من العامة:
– لا يعيش العالم دون حب.. دون سلام.
بقلم الأديب/ مجدى متولى إبراهيم
من المجموعة القصصية”لعنة الرحيل”

Related posts

Leave a Comment